الصفحة الثالثة |
على التيار الاسلامي ان يعرف قدره
الاستاذ مهدي عبدالمهدي
عقيب الانفجارات التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية وقبل أن تظهر أية علائم دالة على المسؤول عن الحدث، بدأ اللوبي الصهيوني بالتعبئة العدائية ضد التيار الإسلامي في العالم متهما إياه بالإرهاب الدولي، مستغلا في ذلك حجم الخسائر وفداحة الحدث من جهة، وشذوذ بن لادن وحركته عن النهج الإسلامي الأصيل في العمل السياسي. ان هدف الصهيونية العالمية ومن يسير في ركابها من هذه التعبئة يتلخص في: 1 ـ التغطية على جرائم اليهود في فلسطين التي تمثل الحالة الأبشع في الإرهاب وإرهاب الدولة. 2 ـ استغلال الحدث في التحريض العالمي المضاد للتيار الإسلامي في محاولة بائسة لتحجيمه دوليا. 3 ـ التغطية على منفذي التفجيرات في أمريكا الحقيقيين الذين لا يستبعد المحللون السياسيون ان يكونوا من مواطني الولايات المتحدة المناوئين للحكومة الأمريكية والحركة الصهيونية النافذة فيها. في مقابل هذا التحريض الصهيوني وقفت العديد من حكومات العالم وفيها الموالي والحليف لأمريكا في وجه هذا التحرك التحريضي وصارت تحذر وتنصح الحكومة الأمريكية بالتأني وتحاشي ان يكون رد الفعل معاديا للتيار الإسلامي في العالم وللنظرية الإسلامية في الحياة. من هذين الموقفين المتضادين نفهم قوة التيار الإسلامي العالمي الحقيقية التي قد يجهلها الكثير من المسلمين والبعض من العاملين للإسلام فيرى نفسه صغيرا ضامرا امام الآخرين ويرضى لنفسه ان يكون تابعا لهم مستعطفا منهم مستجديا رضاهم. ان التحرك الصهيوني المذكور رغم ما فيه من خبث هو شهادة من العدو اللدود على قوة وخطورة التيار الإسلامي على وجوده ومصالحه في العالم، وان الموقف المخالف للحركة المعادية للتيار الإسلامي الذي وقفته حكومات عديدة في العالم منها، كان عدد منها بالأمس القريب في خندق العداء للإسلام والمسلمين، هو اعتراف آخر على قوة وأهمية التيار الإسلامي في العالم من بلدان لا يدفعها لمثل هذا الموقف مع ما فيه من احتمال الضرر القادم من رد الفعل الصهيوني عليها غير مصالحها المرتبطة بشكل وآخر بالتيار الإسلامي. فبين يدي المسلمين شهادتا اعتراف بالقوة العالمية والتأثير في المعادلة الحاكمة فيها، عليهم ان يدركوا ذلك جيدا ويعرفوا من خلاله دورهم في العالم ويكونوا بمستوى المسؤولية التي تقع على عواتقهم ويتعاملوا مع الآخرين أندادا أصحاب رسالة عالمية غايتها آخراج البشرية الضائعة من ظلمات المادة وظلم الاستكبار الى نور الحق وعدله تعالى شانه وعالم اليوم عطش لذلك يركض وراء سراب يحسبه ماءاً من شدة ما هو فيه من ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض. وعلى الحكومات المتسلطة على رقاب المسلمين ان تعلم جيدا ان الإسلام والمسلمين اليوم قوة عالمية ترهبها الصهاينة الذين تهابونهم، ويتقرب إليهم العالم الذي به تلوذون، وان سياسية الظلم والبطش التي تحكمون بها شعوب بلدانكم المسلمة قد ولى وقتها وما عليكم غير الخضوع لإرادة شعوبكم والحكم بما انزل الله تعالى (ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون).
عقدة العدو
رياض السماوي
العدو، شبح وهمي ظل يطارد صدام منذ ركوبه موجة العمل السياسي التي اوصلته الى السلطة بالطريقة المعروفة، حتى صار هاجسه الأول والكابوس الذي يؤرقه باستمرار ويدفعه للشك في أقرب المقربين اليه، وتخيلهم اعداءا يكيدون له. حتى استحالت هواجس الشك واشباح العدو هي المصدر الأول الذي يوجه صدام، ويرسم منهجية حياته. وتضخمت بشكل عدواني خطير يصعب التكهن به. وربما يعود السبب في ذلك الى طبيعته العدوانية الحاقدة على كل شئ والذي يمثل نتاج الاهمال والاضطهاد الذي تعرض له في طفولته، وربما هي (عقدة) الخيانة التي يظل صاحبها يتقلب من جميع جوانبها على مدى حياته المليئة بالخيانة سواءا للوطن او الرفاقة او العائلة. ولعل كثرة تنوع الجرائم التي ارتكبها منذ الطفولة هي سبب اخر لهواجس الشك واشباح العدو المسيطرة عليه. بعد 13 يوما فقط من انقلابهم في تموز عام 1968 قاد صدام (مجموعته الضاربة) لأقصاء (الأعداء) من الأنقلاب وهم ابراهيم الداوود وعبد الرزاق النايف (الذي اغتيل فيما بعد في لندن وبأمر من صدام) ثم بدأت اجهزة الاغتيالات السرية التي انشأها وقادها صدام بتصفية الرفاق الأعداء واحدا تلو الآخر. وعام 1979 اعدم نصف رجالات قيادة النظام لأنه رأى نقطة سوداء في قلب أحدهم. ومنذ اليوم الأول لأنتصار الثورة الأسلامية في ايران، تعامل معها صدام من منطلق العداوة (رغم ان علاقاته مع الشاه المقبور لم تكن ودية وكان ينبغي له فتح صفحة اخرى مع النظام الجديد) واخيرا زج بقواته العسكرية في حرب طاحنة مع (العدو) المتمثل في النظام الاسلامي الذي كان يتآمر عليه ـكما يقول ـ ولم تمض سنتان على نهاية حربه ضد ايران التي استمرت ثمانية أعوام، حتى غزا الكويت لاعتقاده بانها تحولت الى قاعدة للعدوان عليه، رغم موقف الكويت الداعم له في حربه ضد ايران، وتكريمه لأميرها باعلى وسام وهو وسام الرافدين تقديرا لموقفه (الأخوي) أي انه غزا بلدين مجاورين واشعل حربين مدمرتين لاعتقاده بان ثمة (مؤامرة عدوانية) تحاك ضده هناك، وافشال المؤامرة الخارجية لا يتم ـ برأيه ـ الا بالغزو واشعال الحروب. ومازال صدام شخصيا ووسائل اعلامه الداخلي والخارجي واجهزته الحزبية يرددون حديث المؤامرة من الأعداء المتربصين في كل مكان، ويرتبون اثرا تعبويا وفعليا على هذه الأوهام والادعاءات. البعض يعتقد ان حديث صدام عن العدو الوهمي او المفترض، و عن المؤامرات، هو مجرد غطاء اعلامي لتمرير حلقات المخطط التآمري الموكل اليه، وان ما يجري بينه وبين اسياده خلف الكواليس شئ مختلف تماما، وهذا افتراض لا يمكن اسقاطه، ولكن قراءة سريعة للخطاب الشخصي والمنهج السلوكي لصدام تؤكد بشكل قاطع بان (عقدة العدو) وشبح المؤامرة تتملك كل كيانه، وهي تدخل في رسم معالم حركته وسلوكه وتفكيره، وبالتالي في رسم سياسة العراق ومستقبله باعتبار ان صدام هو الشخص الوحيد الذي يحق له ان يفكر ويقدر وينفذ في النظام، وبالفعل فقد اشعل ـ وبقرار شخصي وفردي ـ حربين مدمرتين ضد ايران والكويت لمجرد اعتقاده بانهم اعداء له او متأمرون عليه. داخليا، عرف صدام بقسوته الشديدة مع من يعتبرهم (اعداء) في الحزب او الدولة او حتى العائلة، فلم يتورع عن تصفية عدنان خير الله وزير الدفاع بحادث سقوط طائرة مدبرة لمجرد انه راى في وجهه ملامح عدو محتمل او بديل مقبول لدى الغرب، وقتل صهريه حسين وصدام كامل، وعديله عدنان حسين. اما (الرفاق) الذين تمت تصفيتهم فهم كثيرون جدا، او بشكل لم يشهده أي نظام اخر في العالم، وجميعها تمت على اساس (اعداء) مفترض لشخص صدام، او مجرد احساس لدى صدام بعدم الارتياح لهم. شبح العدو الوهمي الذي يتلبس صدام من راسه الى اخمص قدميه كان سببا لكل الكوارث التي شهدها العراق طوال ثلاثة عقود من الزمن، وهنا تكمن الخطورة. فسياسة البلد وعلاقاته مع الاخرين لا تقام على اسس علمية مدروسة، او استراتيجية ثابته، او حتى منهج اقتصادي مجرد، لا تعير ادنى اهتمام للمصالح الوطنية والقومية، وانما على اساس ما يستشعره صدام من عداء الاخرين ومؤامراتهم غير المرئية ضده، ومن خلال (ما يشمه) احيانا من الصحافة الأمريكية. لم يكتف صدام بجعل عقدة العدو ثابتا في سياسة نظامه الخارجية، بل يسعى جاهدا لتسويقها على المستوى الداخلي الشعبي، فخطابه الداخلي والحزبي يؤكد دائما على الأعداء في صفوف الشعب، ويحذر منهم، ودوائر الأعداء الداخليين تتسع لديه كثيرا لتشمل: غير الموالي للنظام، وغير المقتنع بسياساته، وغير المنظم في الحزب، وصاحب الرأي والمصلي، ومن يفكر، ومن يتكلم، بل حتى من لا يصفق عند ذكر اسم الرئيس القائد ولا يبتسم عند رؤية وجهه البشع، واخيرا عمم النظام كتابا يعتبر فيه البعثي الذي يتغيب عن الاجتماعات الحزبية (عدوا) يستحق قطع حصته التموينية. سيطرة شبح العدو ووهم المؤامرة على عقل صدام وتفكيره، تجعل العراق دوما على (كف عفريت) وتجعل مستقبله يحكم المجهول، ولنا أن نتخيل مصير بلد يقوده شخص مريض بعقدة العدو الوهمي والشك والريبة، ليس هذا فقط، بل انه لا يؤمن بمنطق اخر لحل الخلافات ـ ان وجدت ـ سوى الحل العسكري واشعال الحرب خارجيا، والقتل والاعدام داخليا، ولانه لا يفكر الا بالحرب والقتال وتجييش الجيوش، يزج صدام بالشعب اجباريا في معسكرات التدريب لمواجهة (العدو) بل انه يبقي العشب كله في معسكرات التدريب لانه بالنسبة له (عدو) يمكن أن يتمرد عليه في أية لحظة اذا ما تركه يعيش حياة اعتيادية دون مشاكل او منغصات او حديث عن عدو خارجي ـ وحتى داخلي ـ وهمي مفترض.