الصفحة السياسية |
مع العراق في مهب الرياح الدولية /الحلقة السابعة
الاستاذ مهدي عبدالمهدي
العصر الاستعماري
تقول الدراسة : ( ابتدأ الميزان الدولي يميل إلى مصلحة أوربا على حساب المسلمين بعد أن احتوى أعمالهم وأفكارهم العملية جمود وسقف دون الإبداع وبعد تحرك الفكر الأوربي وانطلق الإنسان الأوربي يبدع ويبني ويتحكم بمصائر الشعوب وما أن أطل القرن التاسع عشر الميلادي حتى شملت السيطرة الأوربية جميع أنحاء المعمورة وصار العالم الإسلامي بدوله الثلاث،العثمانية والقاجارية والمغولية تحت وطأتهم المباشرة أو تحت نفوذهم وكان من أبرز معالم هذه الفترة: 1ـ امتداد السيطرة الأوربية إلى القارات الأخرى 2ـ استغلال البلاد الواقعة تحت السيطرة الأوربية أبشع استغلال للإنسان والأرض والثروات الطبيعية 3ـ محاولة ضم أراضي الدول التي لم تقع بعد فريسة للاستعمار في آسيا وأفريقيا والسيطرة عليها 4ـ الصراع بين الدول الاستعمارية في أوربا وكان للعراق نصيب من النفوذ الأجنبي على اعتبار أنه جزء من الدولة العثمانية التي يتكالب عليها المستعمرون الأوربيون وكان ذلك هو ابتداء العهد الاستعماري في العراق وكان العراق مطمعا للدول الاستعمارية الإنكليزية والفرنسية والألمانية ) نكسة المسلمين إن كل تمكن للغير من المسلمين وبلادهم هو نتيجة حتمية لضعف في المسلمين أنفسهم لا لقدرة في الآخر الطامع،وإن كل ضعف يدب في الصف الإسلامي هو الآخر نتيجة حتمية معلولة لترك أو تساهل المسلمين في حكم أو أكثر من أحكام الإسلام عامة وفي أحكامه ذات الصلة ببناء المجتمع وإدارته خاصة فانتكاسة المسلمين هي من انتكاسهم عن إسلامهم،يتسلط عليهم بسببها شرارهم فيكونون مواضع أقدام لأعداء الإسلام في بلاد المسلمين،ويتخلخل بناء المجتمع المسلم ثم ينهار عندما يترك المسلمون العمل بأحكام الإسلام المختلفة،فلا أمر بمعروف مثلا ولا نهي عن منكر ولا جهاد في سبيل الله ولا اهتمام بأمور المسلمين ولا تواصي بالحق ولا تواصي بالصبر ولا تسابق على الخيرات ولا سعي في قضايا الناس ولا إقامة حد أو إنصاف مظلوم ولا عندما يترك أو يتساهل المسلمون في أحكام الإسلام هذه وغيرها وتدب فيهم العزلة عن الحياة والانصراف إلى الاهتمامات الشخصية، يتفسخ المجتمع الإسلامي وتنحسر قيم ومفاهيم الإسلام عن حياته، وتستحوذ عليه بدلا عنها وبالتدريج مفاهيم غريبة ضارة ،تعمل فيه كما يعمل السوس في الخشب، فيصبح ذلك المجتمع المتماسك القوي صاحب القيم رمادا تذروه الرياح ويتلاعب به الأعداء والطامعون كيفما يشاءون وإلى حيث استعباد المسلمين والسيطرة على بلادهم ومقدراتهم وفي العراق وعلى أيام العهد العثماني،كان الولاة فيه مراكز نفوذ لدول أوربا يتسابقون إلى تقديم الخدمة لها،وتستبق كل دولة الأخرى في استخدامهم،فدخلت الإرساليات التبشيرية وراحت تعمل بحرية في طول البلاد وعرضها،وانتشرت مدارسهم ومؤسساتهم وجمعياتهم المختلفة تحت عناوين خادعة في كل ولايات الدولة تعمل بجد ومثابرة للسيطرة على البلاد وأهلها وفي المقابل كان الولاة يستخدمون قدرات البلاد البشرية والمادية في حروب داخلية لقمع حركات الإصلاح والتغيير المقاومة للاستعمار،ويضطهدون أبناء البلاد بالملاحقة البوليسية والتجويع والقمع الفكري والمادي وحرمانهم من أدنى حقوق المواطن في العيش في بلاده،وقد كان سلاح الطائفية والعنصرية الاستعماريين أداة الولاة في سياستهم تلك،كل ذلك ودعوى الدولة الإسلام والعمل بأحكامه إن بين قوة المسلمين وضعفهم وقدرتهم على مقاومة أعدائهم بل وقهرهم مهما كانت قدراتهم وبين تمسكهم العملي بالإسلام وصدقهم في تمثيل قيمه وقوانينه في مختلف جواب الحياة علاقة طرد ثابتة،كلما قويت هذه كانت قدراتهم في الحياة أقوى وكذلك العكس،فـ (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
العراق في الكتب الجديدة عن المخابرات(1)
لا تكاد الكتب التي تصدر عن نشاط المخابرات الغربية هذه الايام، تخلو من ذكر عابر او مفصل عن العراق، بعضها يتحدث عن وقائع معروفة، والبعض الاخر يتناول مسائل مهمة تتعلق بماضي وحاضر ومستقبل العراق. وبغض النظر عن دقة المعلومات، فان هذه الكتب تزودنا بمادة غنية عن العراق، وتساعد كثيرا على معرفة اساليب التفكير لدى القوى الغربية التي ساهمت في عملية التدمير التي يشهدها العراق. لدينا كتابان كبيران تطرقا الى احداث في العراق الحديث او المعاصر عنوان الكتاب الاول: اليد الخفية بريطانيا وأمريكا والمخابرات السرية للحرب الباردة. وهو من تأليف ريتشارد الد ريتش. وتحدث عن المخابرات السرية خلال الحرب الباردة التي بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية 1939-1945، وهو كتاب ضخم يقع في 733 صفحة، وصدر عن دار جون موري اللندنية في 5/7/2001. يهتم الكتاب باظهار الصراع السري بين المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية خلال الحرب الباردة التي انتهت رسميا في عام 1990، ويؤكد ان المخابرات البريطانية كانت اقوى مخابرات في العالم باسره بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتطرق الى نشاط هذه المخابرات في العالم الاسلامي وتعاونها او تخاصمها مع نظيرتها الأمريكية، خاصة لما يتعلق بازمة السويس (مصر) وايران في النصف الاول من خمسينيات القرن الماضي. ورد ذكر العراق عند الحديث عن ازمة السويس ومجمل الاوضاع في مصر، ودور حكومة نوري السعيد (رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي)، والموقف الشعبي العراقي المعادي للتدخل الغربي في مصر. جاء في الصفحتين 582-583 ما يلي: كانت السي آي أيه (وكالة المخابرات الأمريكية) منزعجة من الموجة العنيفة المعادية للغرب التي اندلعت في كل العالم العربي بسبب ازمة السويس. وكان العراق النقطة الاكثر بروزا في هذا المضمار. في اواخر تشرين الثاني 1956، كتب آلن دالاس (مدير الس آي ايه وقتها) ان الزعيم العراقي الخائف والمتقدم في السن الرئيس 0كذا!) نوري السعيد، الذي يعتبر في العالم العربي اداة بريطانية، وجد نفسه محاصرا بالشعارات الشعبية الغاضبة المؤيدة لناصر (الرئيس المصري جمال عبد الناصر)، ومتهما بالتآمر مع البريطانيين والفرنسيين والاسرائيليين. وهو في خطر من حدوث انقلاب عليه لازاحته من الحكم. فقد تم اعتقال 40 ضابطا عراقيا بتهمة التخطيط لانقلاب، كما ان كبار الضباط يعتقدون انهم اذا اصدروا اوامرهم لحماية نوري السعيد، فان جنودهم لا يطيعون الاوامر. ان موقع بريطانيا اصبح الان متلاشيا بصورة جدية) وكان دالاس يرجو ان يتحول العراقيون الراغبون في التعاون مع الغرب عن بريطانيا الى الولايات المتحدة. ولكن كانت هناك مخاوف من ان تعامل الولايات المتحدة بنفس الموقف المضاد للغرب، وان لا تميز عن الدول الغربية الاخرى كثيرا. كانت علاقة السي أي ايه مع المخابرات البريطانية في العراق ضعيفة، فالمخابرات البريطانية في العراق كانت تدير حلف بغداد بصورة فعلية، وهو التحالف الذي ضم الدول القريبة من حدود الاتحاد السوفيتي في المنطقة وهي (تركيا وايران وباكستان والعراق، بالاضافة الى بريطانيا والولايات المتحدة) ويتذكر ضابط السي أي ايه دونالد ولبر ـ الذي لعب دورا في عملية ايران (انقلاب الجنرال زاهدي الذي اطاح برئيس الوزراء محمد مصدق، بتخطيط ومساعدة الس أي ايه والمخابرات البريطانية 1953)، تجاربة في بغداد تشكو من قلة الموظفين فيها، حتى ان اثنين من السكرتاريين في دائرة الس أي ايه كان عليهما ايصال اجهزة الاتصال، وتنظيم اجتماعات مع عملاء السي أي ايه في البيوت الآمنة، وهناك القليل من ضباط السي أي ايه يعملون تحت غطاء عميق من السرية، ومعظمهم من الأمريكيين الذي يمارسون دورا تربويا او آثاريا، تمكنوا من المحافظة على الاتصالات مع العملاء. وتجد رئيس محطة الس أي ايه نفسه ميالا الى قبول وجهة النظر التي تقول ان العراق يجب ان يبقى دولة عملية لبريطانية. وليس ذلك امرا مفاجئا، لانه يجد نفسه وهو ينسق مع عدد كبير من ضباط المخابرات البريطانية، الذين يمارسون نشاطاتهم بصورة علنية او سرية في انحاء العراق. كانت الولايات المتحدة ترغب في تطوير شبكة من نوع (كلاديو) في العراق، والتي تتضمن زرع اجهزة اتصال ومتفجرات في العراق تستخدم من قبل عملاء خلف الخطوط في حالة تقدم السوفيات نحو المنطقة. ولكن محاولات تشغيل عملاء عراقيين لـ(السي أي ايه) يتم اجهاضها من قبل المخابرات البريطانية. وفي الحقيقة فان (دونالد ولير) يؤكد ان القليل من تقارير الس أي ايه كانت تخلو من مصدر بريطاني. بعد ازمة السويس، قرر آلن دالاس ارسال رئيس جديد لمحطة السي أي ايه في بغداد، هو ديك كيرن وهو اقل خشية من شبكة المخابرات البريطانية. فضل كيرن التعامل مع الاجيال الشابة من العراقيين، التي كانت توجه اللوم الى الرئيس (كذا!) نوري السعيد لولائه الاعمى للسياسات البريطانية. واشار كيرن الى ان تصرفات نوري السعيد تنفر الدول العربية الاخرى، وقد تقود الى انتفاضة تقوم بها العناصر المؤيدة لعبد الناصر والقوميين العرب والطلاب. لقد اعتبر العديدون تحذيرات كيرن هذه اقرب الى الانحراف (منها الى الحقيقة)، لكن الواقع اثبت دقتها، ففي 1958 اطاح انقلاب بنوري السعيد، كما اطاح بالنفوذ البريطاني هناك، وانتهت القواعد البريطانية (في العراق) وكذلك حلف بغداد. وحسب وجهة النظر في واشنطن، فان الاحداث في العراق تؤكد كل المخاوف من موقف لندن غير البناء تجاه النفوذ الغربي في العالم الثالث. موضوع الكتاب الثاني حول التعاون المخابراتي الاستراتيجي بين واشنطن ولندن من خلال المنظمتين الاستخباريتين العملاقتين، الامريكية (وكالة الامن الوطني)nsa والبريطانية، (مركز الاتصالات الحكومية) g c h q ، ووكالة الامن القومي الامريكية تعتبر الوكالة الاكبر والاكثر سرية في الولايات المتحدة. وتعتبر السي أي ايه وكالة استخبارات صغيرة اذا قورنت بالـ nsa . تستخدم هاتان الوكالتان احدث اجهزة التنصت وادقها واكثرها سرية في العالم، ابتداءا من اعماق البحار والمحيطات، وانتهاءا باعماق الفضاء، حيث الاقمار الصناعية التي ما عليها الا خدمة اهداف هاتين الوكالتين. عنوان الكتاب: هيئة الاسرار: كيف تقوم nsa الامريكية و gchq البريطانية باستراق السمع على العالم. مؤلفه جيمس بامغورد، وهو يقع في 721 صفحة، ومن اصدار دار سينتشري اللندنية وصدر الكتاب في 17/5/2001. ورد اسم العراق وصدام حسين في اكثر من موضع ففي الصفحة 19، ذكر العراق باعتباره دولة من الدول التي قررت امريكا فك شفرة اتصالاتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. واشار الكتاب في الصفحتين 474-475 الى بعض اخفاقات الاستخبارات الامريكية، ونقل عن روبرت غيت، مدير السي أي ايه. اثناء ازمة وحرب الخليج (1990-1991)، قوله: ربما يكون اكثر الامثلة الاخيرة وضوحا للفجوة بين القدرات التقنية والامكانات البشرية، هو حرب الخليج، لقد كان لدى القادة الامريكين ارقى وسائل المخابرات فيما يتعلق بالاشارات والتصوير، ولكننا لم نكن نمتلك الا معلومات متفرقة ـ وصلتنا عن طريق الجواسيس ـ عن نوايا العراق قبل غزو الكويت، وعن قدرة العراق على الصمود أمام المقاطعة، وعن حالة برنامج التسليح العراقي. وحول النقص في الكفاءات المخابراتية الامريكية، يذكر الكتاب نقلا عن ضابط العمليات السرية للسي أي ايه (مارك جيرخت) قوله: لا يوجد أي مدير لشعبة ايران يتكلم اللغة الفارسية طوال السنوات الثماني التي اشتغلت بها هناك، ويؤكد اخر بان فريق السي أي ايه الذي ذهب في منتصف التسعينات الى كردستان العراق لمساعدة المعارضة السياسية، لا يتكلم العربية منه الا نفر قليل. وفي الصفحتين 544-545 يرى مدير الـ nsa وليم ستودمان ان اداء وكالة nsa ـ خلال عملية عاصفة الصحراء (حرب الخليج الثانية) كان ممزوجا (بين اداء جيد واخر ردئ)، الا في مجال مراقبة الذين يتجاوزون الحصار المفروض على العراق، فقد كان اداءها ممتازا، ويؤكد ستودمان المشكلة الاساسية (في تعامله مع نظام صدام ) وهو تحول صديق سابق (صدام) الى عدو بين ليلة وضحاها تقريبا. ويقول : من الواضح انه خلال الحرب العراقية ـ الايرانية كنا نعتبر العراق حليفا, وكان العراق منطقة ليس لدينا الكثير من المعلومات التي نستقيها من خلال المراقبة.ونعني بعمق المعرفة للهدف، ذلك النوع من المعلومات التي تود ان تتوفر لديك حينما تدخل الحرب، فببساطة نحن لا نمتلك مثل ذلك عن (العراق). ويقول ستودمان: كان صدام حسين شريكا مخابراتيا ولهذا السبب فان الـ nsa كانت هي الخاسرة. وبسبب التعاون المخابراتي مع العراق، والذي يمتد لاكثر من اربع سنوات لمراقبة اداء ايران في الحرب، فان العراق حصل على معرفة وحس عال بقدراتنا فيما يتعلق بالتصوير وطرق جمع المعلومات الاستخباراتية، وخصوصا في مجال استخبارات الاشارات.. لقد كان امننا مخترقا، لاننا تعاملنا مع هذا الهدف (العراق) الذي امضينا سنوات ونحن نطلعه على قدراتنا الاستخباراتية وادائها، اضف الى ذلك ان العراق دولة سرية تولي اهتماما كبيرا لأمنها، لذا فنحن أمام هدف قادر بجدارة على النفي والتمويه، لم تواجه الولايات المتحدة مثيلا له من قبل . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مطبوعة ـ الملتقى العراقي ـ لندن العدد 4 تموز 2001